حبيب الله الهاشمي الخوئي

280

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وجه الصّدق والصواب ونصحها عن وجه الشفقّة والصداقة بقوله ( ولئن تعرّفتها ) أي طلبت معرفة حالها في الصدق والكذب واستخبرت نصحها وغشّها ( في الدّيار الخاوية ) اى الساقطة أو الخالية من اسكانها ( والرّبوع الخالية ) أي المنازل الخالية من أهلها ( لتجدّنها من حسن تذكيرك وبلاغ موعظتك ) أي موعظتها الكافية ( بمحلَّة الشفيق عليك ) العطوف الرؤف بك حيث لم تألوك نصحا ولم تكذب في تذكيرها ولم تغشّ في نصحها ( و ) بمنزلة ( الشحيح بك ) أي البخيل بأن تصيبك ما يسوؤك ويكون مال أمرك مال أمر الغافلين الهالكين من عذاب النّار وسخط الجبّار . ( ولنعم دار من لم يرض بها دارا ) بل جعلها ممرّا لمقرّه ( ومحلّ من لم يوطنها محلا ) بل جعلها مجازا إلى مأواه . وهؤلاء هم السّعداء المتقون المنتفعون بما فيها من العبر المشار إليهم بقوله ( وإنّ السّعداء بالدّنيا غدا هم الهاربون منها اليوم ) قال الشّارح البحراني : وجه سعادتهم بها استثمارهم للكمالات المعدّة في الآخرة منها ولن يحصل ذلك إلَّا بالهرب منها اليوم وكنّى بالهرب منها عن الاعراض الحقيقي عن لذّاتها والتّباعد من اقتنائها لذاتها لاستلزام الهرب عن الشيء التباعد عنه والزّهد فيه ، وظاهر أنّ التباعد منها بالقلوب إلَّا ما دعت الضرورة إليه واتّخاذها مع ذلك سببا إلى الآخرة من أسباب السّعادة ومستلزماتها . كما أشار إليه سيّد المرسلين عليه السّلام من حاله فيها بقوله : ما أنا والدّنيا إنّما مثل فيها كمثل راكب سار في يوم صايف فرفعت له شجرة فنزل فقعد في ظلَّها ساعة ثمّ راح فتركها ، هذا . ولمّا نبّه عليه السّلام على أنّ أهل السعادة غدا هم الهاربون منها اليوم فسّر مراده بالغد بقوله ( إذ رجفت الرّاجفة ) أي تحرّكت بترديد واضطراب والرّجفة الزّلزلة العظيمة الشديدة وهو اقتباس من الآية الشريفة * ( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ . تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ) * قال بعض المفسّرين : معناها يوم تضطرب الأرض اضطرابا شديدا